بسم الله الرحمن الرحيم- انطلاقاً من حق المواطنة، وحب الخير لهذا الوطن، والانتماء الصادق للمهنة، أكتب هذا المقال. في السنوات السابقة وحتى منتصف الثمانينات كانت وزارة الزراعة (الاتحادية) تنظم اجتماعاً زراعياً سنوياً يعقد أحياناً في هيئة البحوث الزراعية بود مدني للتداول في أمر الزراعة في السودان للموسم الزراعي المنتهي، وتقدم فيه تقارير وأوراق ذات طبيعة مهنية وعلمية بعيدًا عن السياسة. تقدم تلك الأوراق والتقارير من إدارات وزارة الزراعة المختلفة والنشطة (وقاية النباتات، البساتين، إكثار وتحسين البذور، الإرشاد الزراعي، المراعي والعلف، الاقتصاد الزراعي... الخ) وكذلك المشاريع الزراعية القومية (الجزيرة، الرهد، السوكي، حلفا الجديدة) ومشاريع المؤسسة العامة للإنتاج الزراعي (النيل الأبيض، النيل الأزرق، الشمالية الزراعية، طوكر، القاش، جبال النوبة) والزراعة الآلية. بالإضافة إلى اللجان الفنية لمتابعة العمليات الزراعية بكل أنحاء السودان وأعضاء تلك اللجان من الباحثين بهيئة البحوث الزراعية والمديرين الزراعيين واختصاصيي الوقاية ومهندسي الري بالمشاريع الزراعية المعنية واتحادات المزارعين للمحاصيل الحقلية والبستانية. وعليه فإن كل من يهمه أمر الزراعة في السودان يلم بما كان عليه الموسم الزراعي من نجاحات وإخفاقات والمسببات، بل وترسم السياسة الزراعية من مخرجات وتوصيات ذلك الاجتماع الثر. الآن اختلف الأمر وصارت هنالك وزارات وإدارات للزراعة في كل ولايات السودان، والذي يجمع بين تلك الوزارات أكثر من الذي يفرق، ولا يكاد يمر يوم إلا ونسمع أو نقرأ عن شأن زراعي في السودان يتم تناوله أحياناً في غياب الحقائق الخاصة بذلك الشأن من جهات الاختصاص بما لا يفيد الزراعة في شيء. بعض وزارات الزراعة في السودان خاضت تجارب ناجحة جدًا في الإنتاج الزراعي، وحققت إنتاجيات عالية وغير معهودة في تلك الرقعة من الوطن. وذلك بتفعيل تقانات زراعية مجازة وإنزالها إلى أرض الواقع عبر عدد من الحقول الإيضاحية، ومثال ذلك ما تم في ولاية القضارف في الموسم الزراعي 2010 /2011 وربما حدث ذلك في ولايات أخرى لم يسعفنا الحظ بالتعرف على إنجازاتها. هذا الأمر – بالضرورة – يقودنا إلى الحديث عن توسيع دائرة المعرفة في الشأن الزراعي خاصة في بلد مثل السودان متعدد المناخات والترب والموارد، واستجدت فيه في العقدين الأخيرين أمور ومضامين وشؤون زراعية لا يلم ببعضها حتى الزراعيين أنفسهم (في الخدمة أو بالمعاش). وعلى سبييل المثال لا الحصر نذكر وفي خطوط عريضة ما يلي آملين أن يكون محرضاً ودافعاً لوزارة الزراعة الاتحادية واتحاد المهندسين الزراعيين واتحاد مزارعي السودان، للتداول فيه وغيره والترتيب لعقد لقاء زراعي شامل تنويري وشوري يصب في مصلحة الزراعة في السودان:- * النهضة الزراعية: ما هي؟ وأين وصلت الآن بعد ثلاث سنوات من البداية وفق ما خطط لها، ومدى إشراك القطاعات الزراعية والقطاعات ذات الصلة بها؟ اقتصادياتها وما هي المعوقات التي تعترض سبيلها؟ وهل القائمون على أمرها راضون بما تحقق في ظل الإمكانيات المتاحة لها وفق أولويات الدولة؟ وما هي خططها المستقبلية؟ إلى غير ذلك من الإفادات الداعمة للتمسك بها. * الشراكات والاستثمارات الزراعية على مستوى السودان: الكيفية والنوعية والنجاحات والعقبات ومدى الالتزام باللوائح والقوانين الزراعية للبلاد (قانون الحجر الزراعي، قانون المبيدات ومنتجات مكافحة الآفات، قانون التقاوى، قانون السلامة الحيوية). إذ في تجاهلها وعدم التقيد بها بحجة الإسراع في الإنجاز أو اللحاق بالموسم الزراعي، ستكون العواقب وخيمة ومدمرة للزراعة عاجلاً أم آجلاً. * الأمن الغذائي: مفهوم قديم وجديد يحتاج لمن يتولون ملفه في البلاد، تفسيره وكيفية تحقيقه وصلتة بالنهضة الزراعية وبالمنتج البسيط ومساهمته في الحد من تصاعد أسعار السلع الزراعية. * مشروع الجزيرة: نريد أن نطمئن عليه، وهذا من حقه علينا وعلى السودان أجمع، إذ كان يحمله ردحاً من الزمان غذاء وكساء وتعليماً وصحة... الخ. ماذا يجري فيه الآن ومستقبلاً، وقد شاهدنا قريباً فيلماً وثائقياً يحكي ما حل به من دمار!! * مؤسسة الرهد الزراعية: ما الذي يجري فيها؟ * لماذا تراجعت زراعة القطن في السودان وقد كان مشروع الجزيرة وحده يزرع 500,000 فدان في الموسم، بينما كل المساحة المزروعة قطن بالسودان للموسم 2011/2010 هي 400,000 فدان، كما جاء على لسان شركة السودان للأقطان!! * تعلية خزان الرصيرص: يتوقع الانتهاء منها بنهاية مايو 2012 كما يتردد على لسان المسؤولين عن هذا المشروع، ويتوقع أن تتوفر مياه الري لمساحات واسعة جدًا من الأراضي الزراعية، ما هي الخطط والمشاريع الزراعية المعدة لهذا الأمر، وهل يدخل في تلك الخطط تشغيل الخريجين؟ * البحوث الزراعية: في الهيئات والمؤسسات والمراكز البحثية والجامعات ومواكبتها لما يجري في العالم من تقدم في التقانات الزراعية وما هو مستوى التنسيق بينها وإلي أي مدى يستفاد من نتائجها في الإنتاج الزراعي في ظل الوضع الاقتصادي الحرج للسودان؟ * تجميع وكهربة المشاريع الزراعية: بالنيلين الأبيض والأزرق وقد تمخضت التوصية بهذا الأمر عن الدراسات التي قام بها البنك الدولي من قبل وبدأ بالفعل في تنفيذها، فكيف تسير الآن وما هي الخطط الزراعية المعدة لها؟ * تأهيل الزراعة في ولايات شرق السودان (كسلا، القضارف، البحر الأحمر) في نطاق صندوق دعم الشرق. * دارفور الكبرى وما تحتويه من وديان خصبة ومياه ري مستديمة وغير مستديمة وجبل مرة بمناخه المتميز وتربته الخصبة: هل تحقق دارفور أمنها الغذائي وتساهم في الأمن الغذائي القومي وربما الصادر البستاني أيضاً بعد إنزال اتفاقية الدوحة لأرض الواقع؟ هل من خطط زراعية معدة للواقع الجديد؟ * المحاصيل البستانية: توسع وإقبال وطفرة لا تخطئها العين من خلال الانتشار الواسع للمشاتل والبيوت المحمية، أين وصلت الصادرات البستانية الآن؟ وهل من معوقات ملموسة في طريقها؟ نباتات الزينة هل دخلت في منظومة الصادرات البستانية؟ النباتات الطبية والعطرية: كيف ينظر إليها وهل يمكن إدخالها في التركيبة المحصولية؟ * إدخال الحيوان في الدورة الزراعية: إن الحيوان محصول زراعي مهم جدًا وكلنا يعلم أنه يعطي ولو لم تخصص له مدخلات إنتاج، وقد آن الأوان لنتحدث عنه ضمن منظومة "الإدارة المتكاملة للمحاصيل Integrated Crop Management (ICM)" ولتختفي إلى الأبد العبارة غير المفيدة "إدخال الحيوان في الدورة الزراعية". * التقانات الحديثة (الموطنة والمنقولة): نظم الري الحديث (المحوري، التنقيط، الببلر)، البيوت المحمية في ولاية الخرطوم والولايات الأخرى والأساليب الحديثة غير الكيميائية في وقاية النباتات (الجاذبات، المنتجات الطبيعية... الخ). الزراعة النسيجية (ماذا حققت للسودان حتى الآن؟ ما هي المعوقات؟ وآفاق المستقبل). الحصاد الأخضر لمحصول قصب السكر: طريقته، اقتصادياته، آثاره البيئية مقارنة مع أسلوب الحريق. * المحاصيل المحورة وراثياً: والتي يقتضي دخولها السودان التقيد الصارم بما جاء في "قانون السلامة الحيوية" الذي أجازه المجلس الوطني بتاريخ 29/6/2010م، ووقع عليه السيد رئيس الجمهورية. هل فُعِّل هذا القانون؟ وما هي الجهة المسؤولة عن تنفيذه؟ وهل دخلت السودان مؤخرًا محاصيل محورة وراثياً؟ وهل نعلم "أن التأثير المحتمل على الأنظمة البيئية المجاورة يمثل واحدًا من أكثر المقلقات الجسيمة المصاحبة للنباتات المعدلة وراثياً، ومثال ذلك غزو نمو الأعشاب الضخمة المتحورة في الحياة البرية المحلية". إلى غير ذلك من المواضيع والشؤون والمستجدات الزراعية التي تستوجب وقفة فاحصة عندها. وأخيرًا وليس آخر أن الزراعة (بشقيها النباتي والحيواني) هي قدر السودان ونفطه الذي لا ينضب، ولعل معظم الأنشطة الاقتصادية الأخرى إما داعمة للزراعة أو تعطيها قيمة مضافة تقوي من موقفها، ومن كانت الزراعة هوايته ثم صارت مهنته لهو من أسعد الناس – في تقديري – ولعل من أجمل ما كُتب عن الزراعة كمهنة ما ورد في غلاف كتاب "الزراعة في السودان Agriculture In The Sudan " الذي حرره عام 1948 J.D. TOTHILL (عميد كلية غردون التذكارية 1939 – 1944 ثم مدير مصلحة الزراعة والغابات): ” of all occupations from which gain is secured, there is none better than agriculture, nothing more productive, nothing sweeter, nothing more worthy of a free man” “من بين كل المهن التي يتكسب منها ليس هنالك أفضل من الزراعة ولا أكثر إنتاجاً وحلاوة وجدارة بالامتهان لمن ينشد الحرية”. فهلا عضضنا على الزراعة بالنواجذ وأعطيناها ومن وما يتصل بها الاعتبار اللازم لنعيش أحراراً في بلادنا؟ وبالله التوفيق والله من وراء القصد.(بقلم: بروفسير/ الأمين محمد الأمين- باحث زراعي (بالمعاش)- هيئة البحوث الزراعية (سابقاً)).. |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق