تحمد العرب وربما كثير غيرهم من الأمم للمرء أن يلاقي الموت بشجاعة وصبر، لذلك قالوا «إن لم يكن من الموت بُدٌ فمن العجز أن تموت جباناً»، وقد أسهب صلاح أحمد إبراهيم في قصيدته الرائعة «نحن والردى» في ذكر هذا المعنى نيابة عن أسرته العضوية والفكرية «الشفيع أحمد الشيخ وعبد الخالق محجوب وفاروق حمد الله وبابكر النور وهاشم العطا» الذين قتلهم نميري في حالة هوس وهياج عاطفي عقب انقلاب 19 يوليو حين قال:
ما الذي أقسى من الموت؟
فهذا قد كشفنا سره، وخبرنا أمره واستسغنا مره
صدئت آلاته فينا ولا زلنا نعافر
ما جزعنا إن تشهّانا ولم يرض الرحيل
فله فينا اغتباق واصطباح ومقيل، آخر العمر قصيراً أم طويل
كفن من طرف السوق وشبر في المقابر
ويحمد للمرء في العرف السوداني القديم إذا قتل في ميدان المعركة، لأن هكذا ينبغي أن يموت الرجال! قالت صاحبة المناحة المشهورة في حق أخيها «ما دايرالك الميتة أم رماداً شح دايراك يوم لقا وبدميك أتوشح». لا يعني هذا أننا أهل عنف وقتال، ولكن لا ينبغي أن نتردد أو نتوارى إن فرضت علينا معركة حق وكرامة مهما كان الثمن غالياً. ومن المروءة أن ننصف الخصم حتى ولو كان مقاتلاً، قال عنترة بن شداد يبرر قتله لخصم نبيل: وشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم.
هذه الرمية ــ كما يحلو لصديقنا البوني أن يقول أحياناً مقدمة لعموده الصحفي المقروء بجريدة «السوداني» ــ بمناسبة مقتل الدكتور خليل إبراهيم في أقاصي كردفان، وهو يقود ثلة من جنوده ضد قوات الحكومة. ومهما كان رأينا في وسيلة حمل السلاح لتحقيق أهداف وطموحات سياسية، وهو ما نعترض عليه بشدة سواء أكان حامل السلاح عصبة من القوات المسلحة أو مليشيات أهلية متمردة على الحكومة، لأن ذلك يعوق التطور الديمقراطي في البلاد، ويقنن للعنف في الحياة السياسية، ويؤدي إلى عدم الاستقرار، ويهلك موارد البلاد في اقتناء السلاح وتأمين السلطة? إلا أننا نعترف بأن الرجل كان صاحب قضية واضحة آمن بها وخاض في سبيلها المعارك غير المتكافئة واحدة بعد أخرى مخاطراً بحياته وحياة أقربائه وجنوده. فهو لم يكن من معارضي الفنادق، فقد كان يقود جنوده بنفسه في أكثر المعارك خطورة، وما كان عميلاً أو خاضعاً لتوجيه حكومة خارجية، فقد وقف بشجاعة في وجه كل المجتمع الدولي الذي ضغط عليه ليوقع على اتفاقية أبوجا ومن بعدها اتفاقية الدوحة، فرفض بعزة وشمم، وكلتاهما كانتا ستعطيان الرجل سلطة ومكانة عالية في حكومة المركز وإقليم دارفور، إلا أنه رأى أن كلتا الاتفاقيتين لا تحققان لأهل? في دارفور ما يطمحون إليه من اقتسام السلطة والثروة، بعد أن عانوا طويلاً من التهميش والتخلف وضعف التنمية. وبرهن بصورة جليَّة عندما دخل قلب أم درمان غازياً في مايو 2008م، أنه ليس من المتمردين الذين يحملون حقداً على «أهل البحر» بحجة أنهم ظلموا «أهل الغرب» فلم يعتدِ على أحد من المواطنين المدنيين أو ممتلكاتهم، وهو أمر مستغرب اجتماعياً ونفسياً من هؤلاء الشباب الفقراء المعبئين ضد عدوهم التاريخي الذي قطعوا إليه مئات الأميال حتى دخلوا عليه في عقر داره، ومع ذلك لم يرتكبوا جريمة في حق المدنيين. ولم يدعُ خليل طيلة سنو?ت تمرده لعلمانية الدولة رغم ما يجلبه ذلك إليه من تأييد غربي وإسرائيلي وإفريقي، ولم يدعُ إلى حق تقرير المصير لأهل دارفور كما فعلت حركات التمرد الأخرى، أي أن الرجل لم يبدل قناعاته الإسلامية والوطنية رغم ما فعلته به حكومة الإنقاذ. وتحسن الحكومة صنعاً لو سكتت عن «شتيمة» خليل وحركته عملاً بالحكمة النبوية «عادي عدوك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما»، رغم علمي أن هذا ليس من خلق الإنقاذ!!
والسؤال هو ما تأثير مقتل خليل بالنسبة لحركته ولأزمة دارفور المستعصية؟ لا شك أن مقتله سيضعف إلى حد ما حركة العدل والمساواة، فهو الذي أسسها منذ عام 2003م، وهو قائدها العسكري والسياسي والإداري، وهو صانع علاقاتها الخارجية مع تشاد وليبيا وإريتريا، كما أنه صاحب علاقات داخل السودان، فقد كان الرجل قيادياً إسلامياً ومسؤولاً تنفيذياً في عدة مواقع، وربما هو الذي يسيطر على صرف موارد الحركة شأن كل قادة الحركات والطوائف والأحزاب في السودان. ولكن هذا لا يعني أن الحركة ستموت بمقتله، فالقضية التي حارب من أجلها خليل مازالت ?ائمة، بل قد يؤدي مقتله إلى المزيد من التمسك بها وفاءً له واعترافاً بتضحيته الجسيمة. ولكن ذلك لا يمنع تغير التكتيكات والأساليب بتغير القيادة والظروف. أحسب أن الرئيس المتوقع بعد انقضاء الفترة الانتقالية «60 يوماً يتولى فيها الطاهر الفكي رئاسة الحركة حسب لوائحها» سيكون الدكتور جبريل إبراهيم بحكم تأثير القرابة في العرف السوداني، وتقديراً لتضحية الأسرة المنكوبة في عميدها، كما أن جبريل كان قيادياً في الحركة ممسكاً بعدد من الملفات المهمة، ولعله أكثر القيادات معرفةً بعلاقات الحركة الخارجية وأوضاعها المالية. ويتسم ?بريل بأنه قائد إداري وسياسي أكثر منه عسكري وبذلك يكون أكثر ميلاً للحلول السياسية منها للحلول العسكرية التي طالت دون جدوى، ويعتمد ذلك أن تفتح الحكومة المجال للحل السياسي بصورة كريمة مشرفة ولا تدعي قدسية لاتفاق الدوحة. وأتوقع أن تلجأ الحركة في الأيام المقبلة للثأر العسكري لمقتل خليل تأكيداً لقدراتها العسكرية بعد موته، ولكن ذلك لن يطول أمده، وسرعان ما تفكر في استراتيجية طويلة المدى ستكون سياسية في المرتبة الأولى بحكم التغيرات السياسية التي حدثت في دول الجوار، وتولي قيادة جديدة للحركة تريد أن تضع بصمتها على من?ج الحركة. ولن يكون مغرياً لحركة العدل والمساواة أن تبقى طويلاً في تحالف كاودا «الجبهة السودانية الثورية» فهو تحالف عسكري في المقام الأول، كما أنها تختلف مع عناصره الأخرى أيديولوجياً وسياسياً. وأظن أن الحكومة تستطيع أن تجري محادثات مع كل من جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي إذا أبدت مرونة كافية في التعاطي مع بقية مطالبهما التي لم تضمن في اتفاقية الدوحة، وكانت جادة وصادقة في عهودها. وليس هناك حل عسكري لقضايا سياسية مهما كانت قوة الحكومة العسكرية وضعف خصومها، لأن حرب العصابات لا تحتاج لقوة مكافئة، ولأن صاحب الحق ?قوى من صاحب السلطان!!
ما الذي أقسى من الموت؟
فهذا قد كشفنا سره، وخبرنا أمره واستسغنا مره
صدئت آلاته فينا ولا زلنا نعافر
ما جزعنا إن تشهّانا ولم يرض الرحيل
فله فينا اغتباق واصطباح ومقيل، آخر العمر قصيراً أم طويل
كفن من طرف السوق وشبر في المقابر
ويحمد للمرء في العرف السوداني القديم إذا قتل في ميدان المعركة، لأن هكذا ينبغي أن يموت الرجال! قالت صاحبة المناحة المشهورة في حق أخيها «ما دايرالك الميتة أم رماداً شح دايراك يوم لقا وبدميك أتوشح». لا يعني هذا أننا أهل عنف وقتال، ولكن لا ينبغي أن نتردد أو نتوارى إن فرضت علينا معركة حق وكرامة مهما كان الثمن غالياً. ومن المروءة أن ننصف الخصم حتى ولو كان مقاتلاً، قال عنترة بن شداد يبرر قتله لخصم نبيل: وشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم.
هذه الرمية ــ كما يحلو لصديقنا البوني أن يقول أحياناً مقدمة لعموده الصحفي المقروء بجريدة «السوداني» ــ بمناسبة مقتل الدكتور خليل إبراهيم في أقاصي كردفان، وهو يقود ثلة من جنوده ضد قوات الحكومة. ومهما كان رأينا في وسيلة حمل السلاح لتحقيق أهداف وطموحات سياسية، وهو ما نعترض عليه بشدة سواء أكان حامل السلاح عصبة من القوات المسلحة أو مليشيات أهلية متمردة على الحكومة، لأن ذلك يعوق التطور الديمقراطي في البلاد، ويقنن للعنف في الحياة السياسية، ويؤدي إلى عدم الاستقرار، ويهلك موارد البلاد في اقتناء السلاح وتأمين السلطة? إلا أننا نعترف بأن الرجل كان صاحب قضية واضحة آمن بها وخاض في سبيلها المعارك غير المتكافئة واحدة بعد أخرى مخاطراً بحياته وحياة أقربائه وجنوده. فهو لم يكن من معارضي الفنادق، فقد كان يقود جنوده بنفسه في أكثر المعارك خطورة، وما كان عميلاً أو خاضعاً لتوجيه حكومة خارجية، فقد وقف بشجاعة في وجه كل المجتمع الدولي الذي ضغط عليه ليوقع على اتفاقية أبوجا ومن بعدها اتفاقية الدوحة، فرفض بعزة وشمم، وكلتاهما كانتا ستعطيان الرجل سلطة ومكانة عالية في حكومة المركز وإقليم دارفور، إلا أنه رأى أن كلتا الاتفاقيتين لا تحققان لأهل? في دارفور ما يطمحون إليه من اقتسام السلطة والثروة، بعد أن عانوا طويلاً من التهميش والتخلف وضعف التنمية. وبرهن بصورة جليَّة عندما دخل قلب أم درمان غازياً في مايو 2008م، أنه ليس من المتمردين الذين يحملون حقداً على «أهل البحر» بحجة أنهم ظلموا «أهل الغرب» فلم يعتدِ على أحد من المواطنين المدنيين أو ممتلكاتهم، وهو أمر مستغرب اجتماعياً ونفسياً من هؤلاء الشباب الفقراء المعبئين ضد عدوهم التاريخي الذي قطعوا إليه مئات الأميال حتى دخلوا عليه في عقر داره، ومع ذلك لم يرتكبوا جريمة في حق المدنيين. ولم يدعُ خليل طيلة سنو?ت تمرده لعلمانية الدولة رغم ما يجلبه ذلك إليه من تأييد غربي وإسرائيلي وإفريقي، ولم يدعُ إلى حق تقرير المصير لأهل دارفور كما فعلت حركات التمرد الأخرى، أي أن الرجل لم يبدل قناعاته الإسلامية والوطنية رغم ما فعلته به حكومة الإنقاذ. وتحسن الحكومة صنعاً لو سكتت عن «شتيمة» خليل وحركته عملاً بالحكمة النبوية «عادي عدوك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما»، رغم علمي أن هذا ليس من خلق الإنقاذ!!
والسؤال هو ما تأثير مقتل خليل بالنسبة لحركته ولأزمة دارفور المستعصية؟ لا شك أن مقتله سيضعف إلى حد ما حركة العدل والمساواة، فهو الذي أسسها منذ عام 2003م، وهو قائدها العسكري والسياسي والإداري، وهو صانع علاقاتها الخارجية مع تشاد وليبيا وإريتريا، كما أنه صاحب علاقات داخل السودان، فقد كان الرجل قيادياً إسلامياً ومسؤولاً تنفيذياً في عدة مواقع، وربما هو الذي يسيطر على صرف موارد الحركة شأن كل قادة الحركات والطوائف والأحزاب في السودان. ولكن هذا لا يعني أن الحركة ستموت بمقتله، فالقضية التي حارب من أجلها خليل مازالت ?ائمة، بل قد يؤدي مقتله إلى المزيد من التمسك بها وفاءً له واعترافاً بتضحيته الجسيمة. ولكن ذلك لا يمنع تغير التكتيكات والأساليب بتغير القيادة والظروف. أحسب أن الرئيس المتوقع بعد انقضاء الفترة الانتقالية «60 يوماً يتولى فيها الطاهر الفكي رئاسة الحركة حسب لوائحها» سيكون الدكتور جبريل إبراهيم بحكم تأثير القرابة في العرف السوداني، وتقديراً لتضحية الأسرة المنكوبة في عميدها، كما أن جبريل كان قيادياً في الحركة ممسكاً بعدد من الملفات المهمة، ولعله أكثر القيادات معرفةً بعلاقات الحركة الخارجية وأوضاعها المالية. ويتسم ?بريل بأنه قائد إداري وسياسي أكثر منه عسكري وبذلك يكون أكثر ميلاً للحلول السياسية منها للحلول العسكرية التي طالت دون جدوى، ويعتمد ذلك أن تفتح الحكومة المجال للحل السياسي بصورة كريمة مشرفة ولا تدعي قدسية لاتفاق الدوحة. وأتوقع أن تلجأ الحركة في الأيام المقبلة للثأر العسكري لمقتل خليل تأكيداً لقدراتها العسكرية بعد موته، ولكن ذلك لن يطول أمده، وسرعان ما تفكر في استراتيجية طويلة المدى ستكون سياسية في المرتبة الأولى بحكم التغيرات السياسية التي حدثت في دول الجوار، وتولي قيادة جديدة للحركة تريد أن تضع بصمتها على من?ج الحركة. ولن يكون مغرياً لحركة العدل والمساواة أن تبقى طويلاً في تحالف كاودا «الجبهة السودانية الثورية» فهو تحالف عسكري في المقام الأول، كما أنها تختلف مع عناصره الأخرى أيديولوجياً وسياسياً. وأظن أن الحكومة تستطيع أن تجري محادثات مع كل من جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي إذا أبدت مرونة كافية في التعاطي مع بقية مطالبهما التي لم تضمن في اتفاقية الدوحة، وكانت جادة وصادقة في عهودها. وليس هناك حل عسكري لقضايا سياسية مهما كانت قوة الحكومة العسكرية وضعف خصومها، لأن حرب العصابات لا تحتاج لقوة مكافئة، ولأن صاحب الحق ?قوى من صاحب السلطان!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق